المسرحيد بين التّشطيب والإسقاط، رجاء بكريّة، حيفا

| 19.12,20. 11:13 AM |

المسرحيد بين التّشطيب والإسقاط




رجاء بكريّة

"..لقد أبدع المهرجان في تسجيل أغرب ظاهرة ثقافيّة في فنّ الإسترضاء، نقيض الموضوعيّة، ممّا أدّي لتلاشي الحدود بين الجائز والمرفوض. ولفرط حالة الدّوخان واختلال المعايير في إطلاق الأحكام شُطِرت جميع الجوائز تقريبا بسكّين فاكهة نصفين ومنحت مناصفة كأنّ الجرأة والشّجاعة في تتويج دُرّةٍ واحدة تسبغ الشّرعيّة ضرب من مسبّة أو إهانة"

أغلق مهرجان مسرحيد|عكّا، فلسطين الخميس قبل الماضي دورته الجديدة لسنة 020 ومع إغلاقِهِ عَلِقَ عَلقٌ في حلقي لأسباب كثيرة أوّلها يتعلّق بما قدّمهُ مهرجان مسرحيد هذه السّنة الجوّاحة للمسرح، وثانيها يتساءل، هل كان ملحّا أن يقف المهرجان على قدميه في سنة جائحة هي سنة كورونا بامتياز؟ لماذا لم تُمرّن إدارته نَفَسها القصير على عَبِّ الهواء لساعات أطول من قاعاتها الدّاخليّة وترتجل خارجَها على صعيد فرديّ كي تفهم الإشكاليّات الحقيقيّة لخياراتها؟

كنتُ قد نوّهتُ آخر مرّة قبل سنتين من الآن، وتحديدا في مسرحيد 018 لضرورة حتلنة أجندة المهرجان وغسل مراياه بالملح واللّيمون، وفَركِ نوافذه بالأضواء كي يتسلّل إليه الوهج من جديد، لكن بدلا من رسم خطّة لإحياء المهرجان تابع القائمون عليهِ سياستهم، ذات السّياسة الّتي نعرفها منذ ما يزيد عن عشر سنوات دون أن يفكّروا بالحاجات الأساسيّة لإذكاء فتيل دراما فوق خشبة. وبرغم دعوتهم لأهمّ المسرحيّين الإٍسرائيليّين الضّالعين في مساقات التّفنين المسرحي لم ينفتح المسرحيد قيد أنملة باتّجاه تجديد خطابهِ ومشروعِهِ الفنّي في خياراتهِ تجاه النّصوص المتقدّمة للمهرجان. لم يصرّوا على طاقم يتمهّن في تحديد صلاحيّة النّصوص وجودتها. كأنّ السّيناريو في عالم والعرض في عالم آخر.

يحضرني الآن المخرج المسرحي منير بكري، المخرج الإستثنائي في مونودراما المسرح الفلسطيني تحديدا، في رائعتهِ "رقصتي مع أبي". بكري الّذي عمل جنبا إلى جنب مع أسامة مصري قبل عشر سنوات تقريبا في إدارة هذا المهرجان. بكري صاحب الرّؤية الفنيّة النّافذة الّتي أحيت جدارات المسرح

بالوهج والعروض الإستثنائيّة. فما يميّز منير بكري عن سواه أنّهُ مخرج مُرهف في خياراتهِ النصيّة ومعالجتهِ الدراماتورجيّة. يضاف إلى ذلك، هو على المستوى السّينوغرافي فنّان بعيد الإحاطة. يصغي طويلا لايقاعِ الحوار ويوزّع أضواءه وديكوره على مقاس اللّحظة والحركة، وهذا ما نفتقده بالعادة في الكتابة المسرحيّة، ونفتقده الآن في الإخراج المسرحي والإبهار الفنّي الغائب. نفتقد مساحات الغبطة الرّوحيّة على الخشبة، فمنذ غادر خشبة مسرحيد، لم ينجح وارثو مكانهِ تعويض خساراتها الرّوحيّة العارمة. نفتقدهُ على خشبة المهرجان الّتي أغرقها بملاحظاتهِ ومتابعاتهِ المهنيّة الزّخمة. وهكذا فإنّ ما نعرفهُ عن واقع هذا المهرجان اليوم فوضى لا يمكن ضبطها بسهولة على صعيد النّص والإخراج والأداء. فهل يعي القائمون عليه اليوم أنّ مسرحهم ليس بخير ولا يملك المقوّمات المهنيّة الأٍساسيّة كي يتخّذ قراراته بتلك السّهولة؟ كان لافتا أنّ خيارات النّصوص لم تدرس بما يكفي. فوسط غياب النّص المحلّي استوردت الطّواقم المسرحيّة نصوصا غير عربيّة اعتمدت في معظمها على العنف والقسوة، بل والإعتداء على المرأة ومسخها جسديّا إنسانيّا ونفسيّا وسط الأجواء الصحيّة الّتي تعيشُها مجتمعاتنا المعافاة تماما من أحداث القتل، والضّرب والخَفش. ولعلّهُ التماثُل مع سياسة الإنفتاح شرّعَ لنا حضور النّص والأداء (النّاعمين) لنعيد إلى مجتمعاتنا فتنة علاقاتها. وأنا أتساءل، هل تعتقد الإدارة الفنيّة الممثّلة بمسرحي واحد سُمح بإعلانِ أثرهِ هو "ميسرة مصري"، أنّها عالجت خياراتها بما يكفي من رويّة ورصيد فكري جمالي؟ أتساءل ليس بكثير من البراءة بل كثير من اللّوم والغضب والحزن أيضا. هل يعتبر تجييش هذه التقنيّات الفنيّة الوسيلة الأبهى لكسب جيلنا الجديد وإعادة الأمن الشّعوري والفكري لممارساته اليوميّة؟ أهكذا نعيد ألق الحالة المسرحيّة والحضارة الإنسانيّة؟

ذاكرة

فجر الخميس 3 ديسمبر|كانون أوّل لم أنم قبل أن أوقظ نصف مسرحيّي الدّاخل وأناقشهم فيما يحدث لمسرح المونودراما، وأعني مهرجان_عكّا. ومع غليان رأسي بالنّتائج الأخيرة للمهرجان استعدتُ أوّلى لحظات السّعادة الّتي احتفينا بها حين اخترع الصّديق أسامة_مصري اسم المهرجان، "مسرحيد" اختصارا لمسرحيّة الممثّل الواحد. وأنشأ أولى مسابقاتهِ في مسرح "الكرمة"، وكنتُ، لا أزال، طالبة في الجامعة أنهي السّنة الأخيرة تخصّص نقد في فنّ المونودراما، وكنت أسجّل حينها مداخلات كثيفة حول كلّ عمل مونودرامي، على قلّةِ الأعمال، يخرج إلى النّور. تابعتُ تمهّني الهاوي في الماجستير في ذات

الفنّ، لكنّ المثير في هذه الدّراسة أنّي لم أكتسب أيّ معلومة جديدة حول المسرح طولا وعرضا. سبقتْ دراستي أساتذتي. حين كنتُ أشبُّ في عنُقِ طروحات أستاذ النّقد المسرحي وأشكّك بمصداقيّة معلوماتهِ، يزجرني بدل أن يسمع دُرري. آخر مرّة أذكر ناكدتُهُ وتابعتُ مداخلتي وسط دهشة زُملائي الّذين عرفوا اسمي وميّزوني وخجلتُ لأنّي لا أعرف غير اسم أو اسمين من أسمائهم فاتّهموني بالغرور، فكسبتُ عُزوفهم عنّي بمثل شغفهم بي، وعلامة 87 في المسرح، عند الأستاذ الّذي غار منّي، وكانت أخزى علامة عرفتُها أثناء دراستي. لكنّ الحقيقة الّتي لا يعرفها أحد أنّي كنت أقضي ساعات بجوار مكتبتي أقرأ بلا كلل حتّى ساعة محاضرتي بعشرين دقيقة. أنكز سويتش سيّارتي وأطير في الشّوارع حتّى الجامعة أصل 5د قبل أو بعد المحاضرة. أناقش أجادل، أهوي فوق رأس المحاضر وأخرج معه حتّى سيّارته أو سيّارتي أودّعُهُ وأمضي ما عدا أستاذي الحَرون. باختصار أعرف أنّي كنت مدلّلة بعيون محاضريّ لكن بعيون نفسي اعتبرتُ ما يجري طبيعيّا لمستقبل مشروع روائيّة تخلب قرّاءها المفترضين، وعلاوة على ذلك كنتُ أخجل وأختبىء خلف كبريائي، حتّى كان يوم وطالبوني بالمشاركة في عروض المسرح، وصرت ضمن طواقم نصوصِهِ. انتقل المسرحيد لصيغته الحاليّة في عكّا وتابعتَهُ نقدا وحضورا وتحكيما.

بين التّشطيب والإسقاط

منذ دورة المسرحيد السّادسة طالبتُ إدارتهُ شأن بعض المسرحيّين بتغيير طابعه والإصرار على الإنتقائيّة، لكنّ القيّمين عليه اعتبروا الشّروط سدّا مُهينا للمسرح وحريّة الرّأي، وربّما هنا تكمن فكرة الخلاف بين المتمهّن الهاوي والهاوي المُنفّذ. ولعلّ ما يحصل الآن هو تبعات العزوف عن الإصغاء والتّغيير، فلا يمكن لمسرح راق أن يؤسّس نجاحاته على الإجترار والقوالب الجاهزة، وتشطيب شغف الهجس البعيد، والغوص في مغامرات لا خطوط واضحة لنصوصها ولا لسيناريوهاتها، بل ويؤدّي الممثّل دورهُ فيها أمام شخص واحد ينتج ويُخرِج أو يحفن الأدوار الثّلاثة ومعها المكافأة الماديّة. لكنّ المهين اليوم أنّ هذه الدورة 020 نُفّذت رغم الملاحظات، وعبر الزّوم، وسط خلعٍ قاس للزوميّات الجمال الحقيقي المفترض في أيّ عمل مسرحي كحدّ أدني لشروط العرض. وأعني أنّ العروض قد تجاوزت شروط المتعة الفرديّة الّتي ينتظرها عُشاق المسرح بفارغ صبر، وفي عتمة غرف لا يرى أضواءها سوى ثلاثة، المدير التقني، التّنفيذي والفنّي. الإستثنائي في شكل هذه العتمة أنّها طَمِحَت بنقفة لايك بلوغ العالميّة! فرئيس لجنة التّحكيم العراقي د #حسين علي هارف الّذي لا خلفيّة له حول المسرح

الفلسطيني ويجلس خلف مكتبه الفاره، يقيّم عروض مهرجان لا يعرف تاريخهُ ويعتبر عروضه ناجزة لكلّ حالة نقديّة! لن أشكّك في مدير مسرح المونودراما لمهرجان قرطاج الأستاذ إكرامي عزّوز، ولا روضة سليمان وجورج إبراهيم وخالد المصّو، فالمسؤوليّة بالدّرجة الأولى والأخيرة تقع على عاتق رئيس اللّجنة وقرارات الطّاقم المشرف في عكّا. لكن ما يهمّني أن أركّز على البون الشّاسع القائم بين الطّرح الأكاديمي وأدواته التقييميّة والأداء الدّرامي وشروطه الحسيّة، وأنّه من غير الجائز إسقاط ذات الأحكام على مسرحيديّتين، الأولى تضجّ حركة وتنفتح على تفاصيل عالم يغذّي كلّ زاوية من زوايا الخشبة والثّانية تضرب المخيّلة بالملل والفراغ، وحين تستيقظ من كبوتها تنقطع إلى ضحك هستيريّ يقتل دهشتك بدل أن يُفعِمُها انتشاء، وأعني تحديدا "عِرق نعنع" مقابل "صُوَر" وليعذرني مؤدّيها الّذي يدرك معزّتي الشّخصيّة له، فعلى المسرح لا يبقى إلّا لمعان الأداء. لكنّ كارثة السّنة بعينيّ تتويج عملين يقومان على العنف والقتل، والمسح والرّفس والتّغميم. اغتصاب المرأة وإهانتها، والتّعريض بشرفها ثمّ قزقزة الكلام البذيء والمبتذل حدّ الإشمئزار دون أيّ رادع أخلاقي. إنّ فكرة تسويق هذا القبح الرّوحي والإجتماعي على أنّه استثناء وضرب من التفوّق والإبهار يضاعف كمّ الإشمئزاز الّذي انتشر لدى المشاهدين الممتنعين ممّن تواصلتُ مع استيائهم على نطاق واسع. فأن تحصد أعمال مركزها الإستقواء والعنف جائزة درّة المهرجان، #العرض الأفتى سفحا للفعل المسرحي أساسا وفكرة االلّياقة الدّراميّة وجماليّاتها عموما. لقد أبدع المهرجان في تسجيل أغرب ظاهرة ثقافيّة في فنّ الإسترضاء، نقيض الموضوعيّة، ممّا أدّي لتلاشي الحدود بين الجائز والمرفوض. ولفرط حالة الدّوخان واختلال المعايير في إطلاق الأحكام شُطِرت جميع الجوائز تقريبا بسكّين فاكهة نصفين ومنحت مناصفة كأنّ الجرأة والشّجاعة في تتويج دُرّةٍ واحدة تسبغ الشّرعيّة على الفعل الثّقافي الإستثنائي ضرب من مسبّة أو إهانة وليست قصورا سافرا وتجنّياً على جماليّات السّبك الفنّي. نسينا أن المسرحيّة جَوهرة، شرط تحقّقها منوط بجودة الخيط الّذي يَسبُك نسيجَ مَشاهِدِها، وإلّا فإنّها ستذوب في عَرَقِكَ وتتبخّر، وأعتقد أنّ هذا ما حصل!

حيفا، 020

(ناقدة في مجال الفنّ المرئي)



(Votes: 0)

Other News

انتهاء تصوير مسلسل "بنات الماريونيت" واطلاق البرومو الرسمي استجابة لرغبة جمهوره فضل شاكر يطلق " إبقى قابلني " المسرح الوطني اللبناني يحتفي بالذكرى المئوية على ولادة نزار ميقاتي مشاركة التشكيلية اللبنانية أحلام عباس في معرض دولي جمع الفن مع الشعر النجم الإماراتي علي الطاهر في بطولة مسلسل بنات الماريونيت انطلاق عمليات تصوير "بنات الماريونيت" في أبوظبي..صور "تعرّف إلى فكرك" بقلم د. جوزيف ب. مجدلاني (ج ب م) الكاتبة نهى عودة وقّعت رواية "على قارعة الحنين" إطلاق مهرجان صور الموسيقي الدولي في المسرح الوطني اللبناني المجاني فايا يونان، بين الرّخامة والرّهافة، أصالة في التّجريب.. ..وزّعت مسافاتها في "بيت ياسين" سر تأجيل حفل عمرو دياب في السعودية لأجل غير مسمى ترجمة أربعة كتب للأديب "مصطفى كوتلو" إلى العربية مايا رعيدي ملكة جمال لبنان للسنة الثانية وهذا هو السبب فرصة العمر للشباب.. أكبر مسابقة للغناء في العالم العربي – غني سمعنا صوتك معرض للتشكيلية اللبنانية سناء عمار في برلين بعنوان"إيقاع الطبيعة " انتهاء المرحلة الأولى من تصوير أول مسلسل كوميدي سوري إماراتي سعودي فضل شاكر يطلق من منفاه أغنية في حب وطن يلاحقه: "صباح الخير يا لبنان" ..فيديو فيلم شغف ورحلة قاسم إسطنبولي في إعادة الحياة الى دور السينما الفنانة السعودية بريفان بين السينما السعودية والدراما السورية معتصم النهار ومكسيم خليل والعالمي دان كين يجتمعون في بطولة مسلسل "المنصة" التشكيلية مجد رمضان ترسم على مرفأ بيروت: الواقع أبلغ من أي خيال كندة علوش تعود للسينما بعد 3 سنوات من التوقف ببطولة فيلم «بلالين» الفنان المغربي محسن البطيوي يطلق من بريطانيا أغنية "شعب الخير" من وحي كورونا وتأثيراته ماجد المهندس ينافس على أكثر الأعمال استماعًا هذا العام الفنانة شروق البني تتحدث عن دورها في شارع شيكاغو وإخراجها لفيلم أبناء الحياة مسرح إسطنبولي يُطلق مهرجان صور الدولي للفنون التشكيلية رؤى وآفاق لونية ١"معرض فني الكتروني للتشكيلية عصمت حريري صدور "حوار المعاني" مجموعة شذرات للكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ مسرح إسطنبولي يُطلق ندوات رقمية حول واقع السينما اللبنانية والفلسطينية التشكيلية اللبنانية مايا فارس تفوز بالجائزة الثالثة بالرسم على البورسلين في سويسرا