محمد سيف الدولة: من الوحدة العربية الى الردة العربية

| 23.02,21. 09:23 PM |

من الوحدة العربية الى الردة العربية



محمد سيف الدولة

[email protected]

فى الذكرى الـسنوية لقيام دولة الوحدة العربية بين مصر وسوريا فى 22 فبراير 1958، ما أمس حاجتنا لـ "نكء الجراح" والتأمل فى تاريخنا القريب للمقارنة بين ما كنا عليه وبين واقعنا الحالى، لعلنا ننجح فى استفزاز المهمومين باحوال الأمة ومستقبلها وحثهم الى التداعى للبحث عن اهم الاسباب التى أدت هذه الردة العربية الشاملة:

·       ففى سنوات الوحدة كنا نعيش عصر الاستقلال والتحرر الوطنى بعد الحرب العالمية الثانية، فيما عدا قلة قليلة من الدول العربية التى لم تخرج أبدا من عباءة الهيمنة الغربية.

واليوم تعيش كل الدول العربية من المحيط الى الخليج بلا استثناء واحد فى مستنقع التبعية بكل الوانها واشكالها.

·       وكان لفلسطين معنى عربى واحد ووحيد هو فلسطين 1948 اى كل الارض المحتلة الواقعة بين نهر الاردن والبحر الابيض المتوسط.

واليوم اصبحت فى قاموس الانظمة العربية هى فلسطين 1967 التى لا تتعدى الضفة الغربية وغزة، والمساومات قائمة على قدم وساق لتقليصها الى ما هو أدنى من ذلك بكثير.

·       وكان هناك اجماع عربى رسمى وشعبى على ضرورة تحرير كامل ترابها المحتل والقضاء تماما على المشروع الصهيونى الذى يهدد كل الامة بقدر ما يهدد فلسطين. وكانت الامة تضمد جراحها وتلملم شتاتها بعد النكبة، استعدادا لمعركة التحرير.

واليوم بعد ان اعترفت مصر والاردن والسلطة الفلسطينية، ثم الامارات والبحرين والسودان والمغرب وموريتانيا بشرعية دولة (اسرائيل)، أصبحوا يتحدثون عن تحالف عربى اسرائيلى تحت قيادة الولايات المتحدة لمواجهة ايران والتطرف الاسلامى ولتصفية القضية الفلسطينية والقضاء على مقاومتها ونزع سلاحها، فيما يسمى بصفقة القرن.

·       وكان هناك اجماع بين غالبية الشعوب العربية على مكانة مصر ودورها التاريخى والقومى فى قيادة الامة.

واليوم اهتزت مكانتها بشدة وتراجعت وتبدلت الادوار، لتشغله بدلا منها المحميات الامريكية من ممالك وامارات البترودولار.

·       وكان هناك قوتان عظمتان ومعسكران دوليان رأسمالى واشتراكى وتوازن دولى يسمح لنا ولكل الدول المتحررة والنامية بمساحة أكبر من الحركة والمناورة.

واليوم هناك انفراد وهيمنة امريكية لا تزال تقبض على العالم والمنطقة بيد من حديد.

·       وكانت غالبية دول العالم شمالا وجنوبا، تُقيم لنا وزنا وتتعامل معنا ككتلة واحدة متجانسة ومتماسكة يُعمل لها ألف حساب، فتتجنب الانحياز لأعدائنا او الاضرار بالمصالح والقضايا العربية الرئيسية. وكان العرب هم القوة الاقليمية الاولى فى المنطقة.

اما اليوم فلم يعد للدول العربية منفردة او مجتمعة وزنا يذكر فى الحسابات والصراعات والمحاور الدولية والاقليمية، واصبحت دول الجوار إيران وتركيا تحتلان هذه المكانة جنبا الى جنب مع الكيان الصهيونى المسمى باسرائيل، وتم تدويل كل قضايانا ومصائرنا.

·       وكانت الهوية القومية واضحة ومحددة وموحدة، فغالبية شعوبنا من المحيط الى الخليج كانت تؤمن بهويتها العربية وتلتف حولها وتطالب باستقلال الامة ووحدتها وبتحرير فلسطين.

واليوم دفعت كثرة الهزائم والصدمات قطاعات عربية واسعة الى الكفر بالانتماءات القومية بل وبالوطنية والى البحث عن هويات وانتماءات بديلة والتعلق بها، فضربتنا الانقسامات السياسية والايديولوجية والفتن الطائفية والصراعات العرقية والحروب الاهلية ومخاطر التفتيت والانفصال.

·       وكان التيار المؤمن بوحدة الامة، الداعى الى توحيدها هو التيار الأقوى والأوسع انتشارا والأكثر تاثيرا على المستويات الشعبية والفكرية والسياسية والتنظيمية.

واليوم تراجع هذا التيار مئات الاميال الى الوراء، لتتصدر المشهد تيارات أخرى، تنكر وجود الأمة العربية من منطلقات فكرية وايديولوجية مختلفة. وأصبح أى حديث عن العروبة او القومية او الوحدة يثير الدهشة وأحيانا السخرية، من منطق انه كلام قديم عفي عليه الزمن أو اوهام خيالية غير واقعية ومستحيلة فى ظل حالة التشرذم الحادة التى يعيش فيها العرب اليوم.

·       صحيح انه كانت لنا اخطاؤنا وخطايانا الكبرى التى ساهمت فيما نحن فيه اليوم، ولكننا ظللنا نقاوم ونقاتل متمسكين بمواقفنا المبدئية وثوابتنا الوطنية حتى فى اقصى لحظات الهزيمة والانكسار.

اما اليوم فلقد اصبحنا على عقيدة الامريكان والصهاينة.

***

ليس هناك فائدة ترجى بطبيعة الحال من البكاء على اللبن المسكوب، ولكن الجدوى الوحيدة من احياء ذكرى انتصاراتنا ولحظات صعودنا، كعصر العروبة والوحدة والاستقلال والصمود والعداء (لاسرائيل) وغيرها، هى دراسة اسباب الردة والانكسار، ثم التداعى والتواصل من أجل البحث عن سبل انقاذ الأمة وانتشالها من المستنقع الذى اصبحنا نعيش فيه اليوم من انقسام وتمزق وتبعية وتصهين وتخلف واستبداد.

*****

القاهرة فى 22 فبراير 2021

[email protected]


(Votes: 0)

Other News

واثق الجابري : الموازنة وغياب التوازن زهير السباعي: متى ينتهي مسلسل أستانة الخياني ؟ واثق الجابري: متى يكون العراق قوياً د.موفق السباعي: أفكار ثورية للشباب السوريين المطلوبين للخدمة العسكرية الإجبارية زهير السباعي: هل يملك النظام السوري الشرعية لإجراء انتخابات ؟ ...لبنى نويهض: "جرعة" من الحبّ والوعي، اللقاح الأنجع لكل وباء د.موفق السباعي: هل يمكن أن يتحرر الأقصى في نهاية هذا القرن الخامس عشر الهجري زيد شحاثة: عندما يكون الصمت بلاغة محمد سيف الدولة: انتصارات ثورة يناير فى عامها الأول عباس علي مراد: استراليا.. الحقيقة اولاً د. موفق السباعي: مفهوم جديد لهوية الإنسان مصطفى منيغ: بعد التَّفريق يأتي التَّمزيق محمد سيف الدولة: ثورة يناير ـ وماذا بعد؟ د/ موفق السباعي: المبالغة في الأحلام بين النجاح والتخدير د. إبراهيم حمامي: الأرقام ترد على أدعياء العلم والفهم ندى شحادة معوّض: كيف نفهم الكسل ونحوّله إلى نشاط وحيوية د/ موفق السباعي: الصراع بين الحق والباطل في هذه الحياة د. إبراهيم حمّامي: اغتيال الشخصية د.جميل الدويهي: الله لجميع خلقِه أنور السمراني: التعاطي بوعي مع التحدّيات الحاليّة زيد شحاثة: ماذا بعد إغتيال محسن زادة؟ زياد دكاش: زمن كورونا.. البشريّة في خلوة قسريّة زهير السباعي: الحركة التصحيحية في ذكراها الخمسون ؟ زيد شحاثة: الكورد وقانون الاقتراض.. طعنة أم صفعة! عباس علي مراد: أستراليا والإحتباس الحزبي زهير السباعي: هل يعود اللاجئين السوريين إلى وطنهم ؟ د. إبراهيم حمّامي: عن د. صائب عريقات رحمه الله فارس سعيد: المسيحيون في لبنان .. ثلاثة أخطاء استراتيجية في عشر سنوات! د. جوزيف ب. مجدلاني: "رحلة في آفاق عصر الدلو" د. إبراهيم حمَامي: الإتجاه المُعاكِس والصَهاينة العَرب مِن جَديد